طرائف من كتاب أعيان الشيعة


كتاب أعيان الشيعة من تأليف السيد محسن الأمين، وهو من درر كتب التراجم التي تحوي كنوزا عن جبل عامل ورجالاته، وقد وقعتُ فيه على مجموعة من الطرائف أذكرها فيما يلي:
1- قال الشيخ عباس البلاغي ابن الشيخ عبد الله بن عباس الربعي مخاطبا السيد أبو الحسن الأمين:
أيا بدر تكامن في الدياجي *** ويا باب السخاء لكل راج
اتيت إليك من بلد بعيد *** فقم واذبح لنا طير الدجاج
فقم واذبح لنا طيرا سمينا *** إذا ما فاتنا ذبح النعاج
وإن تبخل أبا حسن علينا *** نشحر رأسكم في قاع صاج
2- هجا شاعر بلدة جباع وأهلها قائلا:
يا بلدة ضحكت فيها اقاحيها *** خلت السماء لها أهدت دراريها
جميلة هي لولا قبح أهليها *** شرطي لأدخلها اخراج من فيها
فرد عليه الشاعر عارف الحر قائلا:
(يا بلدة ضحكت فيها أقاحيها) *** كان قطعة فردوس زواهيها
بحسن آياتها غنت شواديها *** (خلت السماء لها أهدت دراريها)
ما ضرها قول غر خابط تيها * **(جميلة هي لولا قبح أهليها)
كهجو إبليس خلدا قول هاجيها *** (شرطي لأدخلها اخراج أهليها)
3-ويقول السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة الجزء العاشر في ترجمته لنفسه يصف التعليم في القرى:
بعد ما بلغت سن التمييز وأظن أن سني لم يتجاوز يومئذ السبع وذلك بين سنة ١٢٩١ و ١٢٩٢ وكنت وحيد أبوي ذهبت بي الوالدة إلى معلم القرآن في القرية فلما دخلت مكان التعليم ضاق صدري ضيقا شديدا وجزعت جزعا مفرطا أولا لأن ذلك طبيعة الأطفال ثانيا لما كان في التعليم من القساوة فالفلقة معلقة في الحائط فوق رأس المعلم وهي خشبة بطول ثلاثة أشبار تقريبا مثقوب طرفاها وفيها حبل دقيق يوضع فيها الساقان وتشد عليهما وعنده عصوان طويلة وقصيرة والأطفال جلوس إلى جانبه فإذا غضب المعلم على واحد لذنب هو من الصغائر وهو قريب منه تناوله ضربا على رجليه بالعصا القصيرة فإن كان بعيدا عنه ضربه عليها بالعصا الطويلة وإذا غضب على الجميع تناولهم بالضرب على أرجلهم بالعصا الطويلة وهم جلوس صابرون على هذا البلاء خوفا من الأشد منه وهو الفلقة. وإذا غضب المعلم على واحد لذنب هو عنده من الكبائر كان يهرب فرارا مما يلاقيه، ارسل المعلم الأطفال الكبار ليأتوا به كما يرسل رئيس الشرطة أو الدرك جنوده لإحضار من يريد عقابه فان حضر معهم مشيا على الأقدام والا حملوه مشهرا بين الناس وهو يبكي ويصيح ولا من مجيب وهم في أثناء ذلك ينشدون الأناشيد في ذمه فيضعونه امام المعلم معتزين فرحين فيأمرهم ان يلقوه على ظهره ويرفعوا رجليه ثم يتناول الفلقة ويضع رجليه بين الحبس والخشبة ويفتل الخشبة حتى يقبض الحبل على رجليه قبضا شديدا ويمسك بأحد طرفي الخشبة واحد قوي من التلاميذ وبالطرف الآخر مثله ثم ينهال المعلم ضربا على رجليه بعصا دقيقة أو قضيب وهو يبكي ويصيح ويستغيث فلا يغاث والمعلم يقول له تهرب بعد يا خبيث فيقول له والله يا شيخي ما عدت أهرب أبدا إما عدد الجلدات فليس له حد في شرع المعلمين وليس هو كحد الزنا وشرب الخمر له مقدار معين بل هو من نوع التعزير الموكول أمره في الشرع إلى نظر الامام وهذا موكول أمره إلى نظر المعلم فيختلف بحسب اختلاف ذنب الطفل وتكرره منه ومقدار درجة عقل المعلم وتفاوت حاله في الغضب وحظ الطفل في السعادة والتعاسة ثم يأمر الشيخ بفك الفلقة عن رجليه ويقوم الطفل يمسح دموعه ويجلس في مكانه والأطفال ينظرون إليه شزرا متبسمين تبسما خفيا ولا يقل ألمه من ذلك عن ألمه من الضرب ثم يعلق الشيخ الفلقة في الوتد المثبت في الحائط وهذه الفلقة لا تزال معلقة هناك يراها الصبيان رمزا إلى أن من أتى بذنب فهذه معدة له ولا يتكلم أهل الطفل في شانه بشئ بل يقولون للمعلم لك اللحم ولنا الجلد والعظم اعتقادا منهم ان ذلك في مصلحته وانه محتاج إلى التأديب لذلك لا يجسر الطفل إذا هرب ان يأتي إلى بيت أهله ولا يتوقف المعلم عن تأديبه بأي نوع من أنواع التأديب.
ومن العادة التي كانت متبعة أحيانا انه إذا وصل الطفل إلى سورة الضحى فعليه ان يأتي إلى الشيخ بشئ من بيض الدجاج أقله خمس أو ست وأكثره عشر ليقلى بمناسبة قوله تعالى في هذه السورة ما ودعك ربك وما قلى.
وإذا وصل إلى عم عليه ان يأتي بغمة إن كان موسرا وهي عبارة عن الكرش و الرأس والأكارع من الذبيحة بمناسبة قرب لفظة عم من غمة وكل ذلك كقرب زياد من آل حرب. فإذا ختم القرآن زفه الأطفال إلى بيت أهله فاطعموهم الحلوى وسقوهم الماء والسكر.
4- يقول السيد محسن الأمين:
وكان عمنا السيد أمين يقرأ في ( بلدة حنويه) مع إخوته وبني عمه في مدرسة المترجم (الشيخ محمد علي عزالدين) فذبحت بقرة واشترى الشيخ القلب والسيد أمين وأصحابه الكبد فاتفق ان سرقت الكبد وبقي القلب معلقاً على الوتد وتخلف السيد أمين وأصحابه عن الدرس لانشغالهم بالكبد المسروقة فأرسل إليهم الشيخ بهذين البيتين :
إن تكن الكبدة قد أخّرت *** حضوركم عن مجلس الدرس
فلنأتكم بالعير مرحـولة *** بالكــور والأقتـــاب والقلــــب
فأجابه السيد أمين بقوله :
تالله ما الكبدة قد أخّرت *** حضورنا عن مجلس الدرس
لكنما القلب على ودّكــم *** معـــوذ في آيـــة الكرســـي