العلاقات البلديّة الأهليّة بنت جبيل - عين إبل - د. منذر محمود جابر

 العلاقات البلديّة الأهليّة بنت جبيل - عين إبل : غفران التاريخ وسماحه
مشاركة أستاذ مادة التاريخ في الجامعة اللبنانية د. منذر جابر في مؤتمر العيش المشترك والتضامن في زمن الحرب، الذي نظمته جامعة البلمند وجامعة مونستر . 

مهمّة هذه الصفحات رصد فصول من علاقات إنسانيّة وخيارات سلوك وعشرة بين القرى المسيحيّة، بخاصّة بلدة عين إبل، وجوارها من القرى الشيعيّة في قضاء ينت جبيل. علاقات  لها ملمح واحد: الرد على سطوة التفريق في الدين أو في المذهب، سطوة لا تحترم جوارًا أو سيرة، أو علاقات أجداد أو اتفاق مصالح وحاجات.

قاعدة هذه الصفحات وأصولها من المعلومات الواردة فيها هي الروايات الشفهيّة السيّارة على لسان الأهالي، جمعتها على مدار سنوات طويلة من عملي على تاريخ المحلّة والمنطقة، وصوغها رواية مشبعة بأحاسيس رواتها في اجتماعهم وسياستهم.

      أمّا ما نأخذه من الصحف أو من مصدر آخر، وتحديدًا مصدر الشيخ أحمد رضا، مذكرات للتاريخ. حوادث جبل عامل (1914 – 1922)، فهي معالم تصويب لتاريخ حدث أو لتأكيده حصوله، وهي زيادة في تثبيت الرواية ويقين صدقها.

 ميلاد التاريخ: السنة 1920

     بين تاريخ وبنت جبيل وعين إبل، "ما صنعه الحداد". ليس الحداد الإفرنجي وحسب. فمقابل "الحدادة" الفرنجيّة هناك "الحدادة" العربيّة. وإذا  كان "ما صنعه الحداد" في الأمثولة العربيّة يعني الرمح والقنا، فإنّ "حدّاد" ما بين بنت جبيل وعين إبل، له من مهنته غير صناعة من الأواني.

كانت العلاقات ما بين القرى المسيحيّة وجوارها الشيعي البنت جبيلي، قد امتدت إلى المدى الذي يستحيل معه بترها، إن لم يكن من المستحيل من بعد العبث بها. إذ لطالما كانت المؤاخاة موجودة، جهيرة، بين بيوتات وأسر من البلدتين، لم يغضض منها فِرقة دين أو فِرقة موقف. حيث كانت عين إبل في حالات عديدة، ومن قبل السنة 1920، ملجأ أشخاص من بنت جبيل، كانوا على وشك أن "تؤكل لحومهم"، من أقاربهم في بلدتهم، فاحتموا أشهرًا طويلة في عين إبل، ومنهم جدّ كاتب هذه السّطور، التجأ بأسرته إليها سنة 1912 احتماءً من زواج قسري يفرض على ابنة له، وحيدة والديها مثله، يطيح بما يملكه من مال وعقار.

     ربّ مذكّر هنا بأحداث السنة 1920 الدمويّة في عين إبل، والتي تحتل الصفحات الأولى في تاريخ العلاقة بين عين إبل المسيحيّة وما يحيط بها من القرى الشيعيّة في قضاء بنت جبيل، وهي أحداث خلّفت في خلال ساعات معدودة بلدة محروقة منهوبة مكلومة في ضحايا من أبنائها.  

     والروايات الشفهيّة والمكتوبة لدى طرفَي المجتمع العاملي وفيرة جاهزة، ففي عين إبل تتبارى الروايات في توصيف الجوانب الدمويّة لهذه الحادثة وفي تبرير حصولها. وبالمقابل لا تقصّر روايات بنت جبيل، بالتطفيف في ردّة الفعل على الهجوم وباستقواء أهالي عين إبل بالقوّات الفرنسيّة بقيادة الكولونيل نيجر، الذين هاجموا جبل عامل بعد حادثة عين إبل في محاولة للقضاء على حركة العصابات الشيعيّة الموالية للحكومة العربيّة في دمشق.

     ونحن هنا لن ندخل في السجال الدائر، ونقول من موقعِ ثقةٍ: كلّ من الطرفين على حقّ في ما يقوله ويذهب إليه، انطلاقًا من أنّ التاريخ في لبنان، وليس تاريخ لبنان وحسب، يدرك ويحفظ، وكأنه إيمان، بالفطرة والقلب، ينطلق منهما ليعود إليهما. والحوار فيه تاليًا لا يعرف سقفًا أو نهاية لأسئلة.

     في الخامس من أيّار 1920 هوجمت عين إبل وأحرقت، من قِبَل مسلّحين من قرى شيعيّة في جوارها القريب ومن جوارها المتوسّط البعد، يومها أحرقت البلدة وخسرت خمسين ضحيّة من أهاليها، الذين شرّدوا وهاموا في نواحي الجليل الفلسطيني. وفي ليلة من الثلث الأخير من أيّار، أي بعد عشرين يومًا من حريق عين إبل، ومع حملة عسكريّة فرنسيّة بقيادة الكولونيل نيجر، أحرقت بنت جبيل وشرّد أهلوا عن "بكرة" بيوتهم وممتلكاتهم في نواح من الجليل لأشهر طويلة.

كانت هذه الأجواء الدمويّة في جبل عامل/ الجنوب اللبناني، تجد في بيروت عاصمة الدولة العتيدة، لبنان الكبير، مَنْ يكرّسها أساسًا في تحديد ممارسة طائفة وفي توصيف ثقافتها وسلوكها. وخير دليل على ذلك رواية جريدة البشير وقراءتها للشيعة طائفة وحتّى مذهبًا، حيث تنكر على الشيعة لبنانيّة واعدة، وتسقط أي اعتبار "لبناني" لهم. تكتب جريدة البشير، ولمّا يمضِ شهر ونصف على إعلان لبنان الكبير: "كنّا نعتقد أنّ زعماء الطّائفة الشّيعيّة يخجلون، أقلّه مدّة بضع سنوات، مِنَ المطالبة بما لربما تقدِر أنْ تطالب به سائرُ الطّوائف... إنّ الدّماء الزّكيّة التي سفكوها تجعلهم أنْ يقفوا عند حدّهم، ويفهموا أنّ الطّائفة التي يتّفق معظم كبرائها وعلمائها ورجال دينها، على هتك الأعراض وذبح النّساء وقتل الأطفال وتدنيس المعابد وحرق القرى واستحلال منكَرات، قلّما يأتي التّاريخ على ذِكْر مثلها". وتذهب البشير فتلزم طائفة الشّيعة مِنْ "أنّه لا يحقّ لها أنْ تطلب التّمثيل العددي كما يحقّ لسائر الطّوائف المتمدّنة. بل يجب أنْ تظلّ في قيد مراقبة ضيّقة ووصاية شديدة، وذلك ريثما يُثبِت زعماؤها وعقلاؤها أنّهم نبذوا ظِهْريًا تلك العوائد الوحشيّة"([1]).

     ولم تكن البشير حالة فاردة في موقفها، فقد "أجمعت جرائد المسيحييّن في بيروت، وفي مقدّمتها البشير جريدة الجزويت، التي كانت تحت تصرّف الجنرال ورجال الانتداب، على التشنيع الشديد والسخرية والهزء بأهل هذا الجبل"([2]). يكتب أحمد رضا: "ولكن كان لمسلك بعض جرائد بيروت، في تجسيم الخلاف وتوسيع دائرته، أثر غير صالح، ولا يؤدّي إلى النتيجة الحسنة. بل هو يهيج الخواطر، ويجرح العواطف جروحًا لا تندمل، ويوسّع شقّة الخلاف الذي يجعل البلاد خرابًا يبابًا([3]).

    واللافت هنا، اندفاع الجمهور اللبناني البعيد عن الجنوب ليس في تصديق الروايات الدمويّة، فهي حاصلة بالفعل، وإنّما الأساسي هنا هو ذهاب الجمهور في غير منطقة لبنانيّة، وتحديدًا في بيروت/ العاصمة العتيدة، إلى الحد الأقصى في المواقف المتنابذة والدافعة إلى الانتقام والعداوة. يسوق الشيخ أحمد رضا ملاحظة معبّرة عن ذلك على لسان رئيس تحرير صحيفة لسان الحال السيّد طانيوس عبده:   

    "ولما قابلنا رئيس تحرير "لسان الحال"، السيّد طانيوس عبده، وشرحنا له الحال، وأنّ الطائفتين لا عداء بينهما. وكان من جملة الأدلة التي أوردناها، معاملة أهل النبطيّة لمهاجري مرجعيون، من الإكرام والحفاوة والمؤاساة، وبذل الإعاشة للفقراء منهم. قلت له: إنّنا لا نريد أن تسلّم بكلامنا مجردًا، بل سلْ إذا شئت كلّ من لقيته من نصارى مرجعيون، وخذْ من لسانهم هذه الحقيقة، وانشرها في "لسان الحال".  قال: أودّ أن أفعل ذلك، لو كان قراء الجريدة يرضون أن ننشر مثل هذا، بل يريدون طمس المحاسن ونشر المقابح"([4]).

     النظرة إلى هذه المآسي التي عاشها الطرفان تترك انطباعًا لدى المطّلعين عليها بأنّها جروح عميقة لن تندمل ولن تبرأ ولن تلئم.

     لنتابع ما حصل بعد ذلك ونسجّل بإنّ إرادة اللقاء بين أهالي عين إبل وأهالي جوارها، كانت أقوى من غلّ الموت ومن غلّ فَقْدِ الأهل والمحبّين، وأقوى من الدمار في الممتلكات والخسائر في أسباب الحياة.

 نعم لجبل عامل والمسيحيين

     ففي العام 1925 عام انطلاق الثورة السوريّة مع انتفاضة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب، كان الموقف في منطقة بنت جبيل وجوارها بعيدًا كلّ البعد عن أحداث الثورة وتردّداتها. وهذا الموقف تنقله كذلك جريدة البشير، وكأنّها تحاول التكفير عمّا سبق من رواية تحريضيّة:

    "كتب إلينا مِنْ عين إبل:

     يوم الأربعاء الجاري دعا الحاج محمّد سعيد أفندي بزّه مِنْ وجوه بنت جبيل، شيوخ ومختاري ووجوه القرى المجاورة مِنْ شيعييّن ومسيحييّن، وكانت عين إبل مِنْ جملة المدعوّين، فلبّينا الدعوة وكان الاجتماع في دار الداعي العامرة. وهناك شاهدنا السَّري الأمثل محمّد بك نجل محمود بك الأسعد. وما إنِ استقرّ بنا المقام حتّى وقف محمّد بك المذكور وخطب في المدعويّن، فقال: إنّني مُرْسل مِنْ قِبَل والدي لأبلغكم جميعًا أشواقه، وأفيدكم أنّنا نحن آل الأسعد نرغب أنْ يكون جميع سكان جبل عامل مِنْ شيعييّن ومسيحييّن يدًا واحدة، ضدّ كلّ عصابة تطمع بالاعتداء على بلادنا ومجاوزة حدودنا، وأنْ نتناسى الماضي ونخضع كلّ الخضوع لأوامر الحكومة المنتدبة، ونأتمر بأوامرها ونساعدها جهد الطاقة ونعمل كلّ ما يمكننا لخير الوطن ورفعة مقامه، باذلين النفس والنفيس في سبيل خدمته متعاضدين متآلفين بعضنا مع بعض مِنَ الطائفتين".

      وخطب مثل ذلك صاحب المنزل الحاج محمّد المذكور، مُحِضًّا على الوئام والوفاق والدفاع عن الوطن. ثمّ مدّت الموائد وبعد ذلك تفرّق الناس يشكرون لآل أسعد وبزّه الأكارم هذه العواطف النبيلة الشريفة"([5]).

     ونلفت هنا ونستعيد أنّ محمود بك الأسعد والحاج محمّد سعيد بزي هما من رؤوس المتّهمين من قبل أهالي عين إبل بأنّ لهم أدوارًا في أحداثها الدمويّة السنة 1920.

    الحاج محمّد سعيد بزّي والسيّد شرف الدين

     السنة 1936 كانت الهيئة الاجتماعيّة في بلدة بنت جبيل على مستوى عال من التصدّع، إلى الحدّ الذي دفع بزعيمها الحاج محمّد سعيد بزّي، إلى مغادرة البلدة إلى واتخاذ عين إبل مقرًّا لإقامته خارج بلدته. وذلك في مواجهة انتفاضة دمويّة فائرة نالت من موقع الحاج ومكانته داخل البلدة والمنطقة إجمالًا.

    كانت إقامة الحاج محمّد سعيد خارج البلدة هنيئة على أهالي عين إبل، فقد عدّها أهلوها مبادرة تشريف على غيرها من بقيّة القرى الشيعيّة، ولم ينقل أبدا عن "استثقال" من أهاليها أو تأفّف. كما أنّ تطوّر الأحداث اللاحق وممانعة بعض أفراد من بنت جبيل من العودة إلى بلدتهم، كان يسمح بتوصيل "طراطيش" تثريب وحمل "ثقلة" من أهالي عين إبل بحقّ الحاج محمّد سعيد، وإنّما لم ينقل عن حصول مثل ذلك بتاتًا. حيث أصرّ يومها السّيّد عبد الحسين شرف الدّين، وفق سيناريو خاص به، على إعادة الحاج محمّد سعيد بزّي إلى بلدته بِنْتِ جْبَيْل، وكانت سلطات الانتداب تدعمه في مسعاه وفي طريقة التّنفيذ. وفي الوقت نفسه، كان لقادة انتفاضة بنت جبيل نظرتهم المغايرة لمسار عودة الحاج إلى البلدة، وقد تحرّكوا معَ الأهالي لدعم موقفهم، ممّا دفع بالسّلطات إلى اعتقال ثلاثة مِنْ بينهم وسجنهم.

    قضي الأمر ولم يعد الحاج محمّد سعيد إلى البلدة، وما يهمّنا هنا مرور الحادث بلا أثر سلبي على علاقة البلدتين بنت جبيل وعين إبل.  

عامليّون – لبنانيّون / لبنانيون - عامليّون

     مطلع الستينات من القرن العشرين اكتشف شباب بنت جبيل نوعًا جديدًا من الدبكة، دبكتهم الوحيدة بأغنيتها الوحيدة كانت على دلعونا بكل امتداداتها وتفريعاتها، اكتشفوا أنّ في عين إبل أغان وكلمات أغان "تروح" على دبكتهم، وخطوات جديدة عليهم في الدبكة "تروح" على أغنياتهم. كان ذلك في عرس واحد من شباب عين إبل من "بزّاويي" الهوى المتعلّقين بعلي بزّي السياسي الشهابي المعروف، وكان عرسًا جامعًا لمحازبي علي بزّي، شارك في إحيائه الجمهور "البزّاوي" في جوار عين إبل، بخاصّة شباب بنت جبيل من عائلة آل بزّي ومن يواليهم من غير عائلات. وكان عرسًا جامعًا ممهورًا بأغان فولكلوريّة "لبنانيّة" أوّلها وآخرها أغنية "باب البوّاب ببابين".

      صارت "باب البوّاب ببابين" سيّارة في أعراس بنت جبيل، يتغاوى فيها الشباب وكأنهم، بإتقانها واعتمادها دبكتهم الجديدة، قد وصلوا إلى حداثة لبنانيّة كانت تنقصهم، ليتعمّدوا عاملييّن لبنانييّن "كاملين".

     بالمقابل تكامل انتماء شباب عين إبل مسيحييّن عامليين، مع مشاركتهم اللاحقة في أعراس بعض مَنْ نسجوا معهم صداقات جديدة من بنت جبيل، أو كرسّوا معرفة قديمة وأعلوها إلى مرتبة الصداقة. وقد أثمر هذا الاختلاط حالة زواج بين شاب بنتجبيلي وفتاة عينبليّة، وهي حالة الزواج الأولى في بابها بين البلدتين.

نقول إن شباب عين إبل تعمّدوا عاملييّن جنوبييّن لبنانييّن، مقارنة مع ما كانت عليه نظرة المسيحييّن لوجودهم في نواحي جنوبي الجنوب. وهي نظرة لطالما كانت على مسافة من الانتساب المرصوص حيث ظلوا وكأنّهم يقيمون طارئين مؤقّتين في إقامتهم وغير متجذّرين في أرض جبل عامل. فلنقرأ ما جاء في معروض مرفوع مِنْ موارنة في جهات منها بلاد بشارة وصور لمقام السّدّة البطريركيّة: "يعرض بَنُوْكم، موارنة هذه الجهات، أنّ غاية ما نرجوه ببسط إعراضنا هذا هو، أوّلًا الدّعاء عمومًا. ثانيًا، نحن أبناءكم القاطنين صور وعكّا وحيفا والنّاصرة وبلاد بشارة وبلاد صفد، الذين عددهم ما ينيف عنِ الخمسة آلاف، المنبذرين ما بين طوائف متعدّدة وشعوب متفرّقة. وبعد ذلك فَهُم بالحقيقة لبنانيو الأصل أتوا وتوطّنوا في هذه البلاد، بعضهم مِنْ سنين طويلة، وبعضهم مِنْ مدّة سنوات بقصد القيام بمعاشهم، والضّرورة أحوجتهم لمهاجرة أوطانهم لضيق المعاش في لبنان"([6]).

لم يعد أهالي عين إبل، من بعد، مقيمين في جبل عامل بقصد القيام بمعاشهم، والضّرورة أحوجتهم لمهاجرة أوطانهم لضيق المعاش في لبنان". باتوا وقد أصّلوا جذورهم لبنانييّن – عاملييّن.

 حط راسك بين هالروس

      وقد يقول قائل أنّ تعدّيات لا بل اعتداءات كانت تحصل من قِبَل القرى الشيعيّة تجاه بلدة عين إبل و/ أو غيرها من القرى المسيحيّة في جوارها، ولا تعوز الأمثلة القائلين بذلك لإسناد أقوالهم. هذا صحيح. فقد حصل مثل ذلك السنة 1892([7])، حسب ما تنقل البشير. كما تنقل عن هجوم من بعض أهالي بنت جبيل على عين إبل السنة 1894([8]). ومثل ذلك حوادث حصلت في سنوات لاحقة في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين ما بين عين إبل ومحيطها([9]).   

      ولكنّنا نحن نضع هذه الإشكالات والتعدّيات في سياق علاقات اجتماع تلك القرى. فالإشكالات والتعدّيات لم تكن رهينة "سالب" قرية شيعيّة و"موجب" قرية مسيحيّة أو على العكس من ذلك. فقد يكون السالب والموجب كلاهما مسيحيّين أو شيعيّين. فما قد يمرّ من أخبار عن خلاف أو عراك ما بين عين إبل وغير بلدة شيعيّة في هذا المحيط،، لا يطعن، على وجه الإجمال، من القول بهدوء العلاقات الإنسانيّة بين عين إبل ومحيطها. فالخلافات بين هذه القرى هو الاستثناء الذي يخرق قاعدة الأمن والأمان، وهو "استثناء" كان يشهد عليه،  حصول ما يمايله بين عين إبل وغير قرية مسيحيّة في جوارها.  لنقرأ مثلًا ما تنقله المصادر عن إشكالات وتعدّيات بين عين إبل ورميش المسيحيّتين:  

"عينبل = وردتنا رسالة من عينبل بتاريخ 18 أيلول تفيد:

     أنّه بينما كان مكاريّة عينبل راجعين مِنْ عكّا، مرّوا بقرب قرية رميش فالتقوا بجملة أشخاص أشقياء مِنْ أهلها، فضربهم هؤلاء وأخذوا دوابهم. وعندما رجع العينبليّون إلى قريتهم أخبروا أهلهم بذلك، فحضر بعض أشخاص مِنْ عينبل إلى رميش وطلبوا ردّ الدواب المسلوبة، فأبى شيخ القرية وأهانهم. فرجعوا إلى عينبل مغتاظين واخبروا أهلهم بذلك فازدادوا غيظا. ونهار عيد الصليب بينما كان أهل رميش في كروم كرسيفا بجوار عينبل، تخاصموا مع أهل عينبل وتضاربوا بالعصي والحجارة، وبعضهم أطلق البنادق فوقع جملة جرحى مِنَ الطرفين. وحضر حضرة مدير تبنين وجناب عزتلو قائمقام صور إلى عينبل، وأمسكوا جملة أشخاص وأرسلوهم إل تبنين. وشرعوا في استنطاق كلّ مَنْ له مدخل في هذه المخاصمة، ومَنْ كان مسبّبًا لها وذلك بحضور عزّة القائمقام وجناب رفعتلو المدير والمستنطق أفندي والكاتب وأعضاء المحكمة، وإلى الآن لم تعرف النتيجة. فالمأمول مِنْ عدالة الحكومة وضع الراحة للبلدين، ليستطيع الفلاحون أنْ يلتفتوا إلى بيادرهم وكرومهم التي تعطّلت بسبب هذه الاعتداءات والمنازعات.

      وأصل سبب هذه المخاصمة هو اعتداء بعض الأهالي على أسعد ابن طانيوس جريس مِنْ بيت الحاج، وقتله ضربًا بالعصي وإعدامه في رميش"([10]).

       وتنقل البشير في خبر آخر: "صباح أحد العنصرة سطا خمسة عشر مِنْ أهالي قرية ارميش على أرض تخصّ أهالي عينبل، وأقبلوا يسرقون الفول والعدس، ولمّا نهاهم عن ذلك رعاة مواشي عينبل أوسعوهم ضربًا بالعصي، وسلبوهم كلّ ما معهم مِنَ البقر وعددها 250 رأسًا واستاقوها إلى ارميش. 

     ولمّا اتصل الخبر بمختاري قرية عينبل عرضوا الكيفيّة حالًا لمديريّة تبنين، فحضر جناب النشيط رفعتلو محمود آغا قبرسلي وتوجّه إلى قرية ارميش، فوجد البقر في حظيرة الماعز فأمر بإرجاعها إلى أصحابها وقبض على المعتدين.

    والمأمول بهمّته ودرايته وانتباه حكومة صور أنْ يُعاقَبَ المذكورين بكلّ صرامة القانون، حتّى لا يعودوا لمثل هذه السرقات التي طالما كرّروها بحقّ جيرانهم"([11]).

 الفصل الأخير

     انطوت أحداث السنة 1958 زمن ولاية الرئيس كميل شمعون، دون ارتجاجات أو انعكاسات في منطقة بنت جبيل، ولم تعرف المنطقة لها أثرًا أو تسمع لها صدى. ومن مطلع ستينات القرن العشرين، راحت بعض الانشغالات والمصادفات الصغيرة، توقّع النهايات السموحة والمتسامحة في فصول العلاقات اليوميّة بين عين إبل وجوارها، ونشير هنا إلى بعضها:  

     توقّفت عين إبل عن إقامة احتفال في 5 أيّار، وعدم اعتبار هذا اليوم، وهو يوم الهجوم على عين إبل سنة 1920، عيدًا للشهداء، ويومًا تعطّل فيه المدارس ومجمل المصالح في البلدة. وقد جاءت شرارة توقّف العمل في ذلك التقليد، مع وصول الدفعة الأولى من طلاب بنت جبيل، وكنّ جميعًا طالبات، للدراسة في مدرسة الراهبات في عين إبل في العام الدراسي 1959-1960. بهتت طالبات بنت جبيل يوم أقفلت المدارس في عين إبل احتفاءً بيوم "شهداء" وبعيدٍ لهم، لم يسمعن به من قبل، فالشهادة عندهن طالبات مدارس، ختمت رسميًّا كما في البرامج الرسميّة اللبنانيّة مع شهداء 6 أيّار. كان الأمر مدعاة نقاش بين الطلاب. وتَذْكُر طالبات تلك الدفعة أنّ السنة التالية لم تعرف تعطيلًا للدروس، وإنّما اقتصر الأمر على التعطيل وقت القدّاس. وقد سمح في سنوات لاحقة للطلاب الشيعة في مدارس عين إبل بحضور قداس هذا اليوم. ويبدو أنّ الاحتفال بهذا اليوم قد توقّف نهائيًّا منتصف الستينات مع الازدياد اللافت لأعداد الطلاب الشيعة في مدارس عين إبل، ومع نشاط أوجه التلاقي السياسي والاجتماعي بين الطرفين، ومع دخول الأحزاب اليساريّة إلى حلقات الشباب في عين إبل.

مثال آخر ما زال في ذاكرتي إلى الآن، وهو عن الحزن العميم الذي وقع على هيئات البلدة جرحًا عميقًا. فقد طفح هذا الحزن في بنت جبيل، كلّ بنت جبيل على ما نعلم مرّة واحدة مطالع الستّينات، مع وفاة طبيب بلدة بنت جبيل، ابن عين إبل الدكتور كريم الخوري. شعرت بنت جبيل يومها، لا بل تيقّنت، أنّ موت طبيبها وإن كان قضاءً وقدرًا، في تزحلف سيارته على الطريق مع الشتوة الأولى، كان يومها "ضربًا من القتل". كان موته صاخبًا وكان الحزن عليه كذلك.

    والمثال الأخير، لا يزال أهالي بنت جبيل يحفظون للقرى المسيحيّة عين إبل ورميش ودبل والقوزح، مشاركتهم ربيع السنة 1961 في يوم ذكرى مرور أسبوع على وفاة المرحوم يوسف محمود بزّي، رجل بنت جبيل في الهجوم على عين إبل السنة 1920، استقبل الوفد بالتصفيق. وقد اعتبرت تلك المشاركة تتويجًا للفصل الأخير، من المصالحة التي سبق وامتدّت بلا رعاية من أحد بين عين إبل ومحيطها لسنوات بعيدة.

 سنوات السبعينات: للحديث بقيّة

      بداية، لم يحتسب أحد من الأطراف اللبنانيّة في "المرحلة الفلسطينيّة" من تاريخ لبنان، أنّ للجنوبي حقًا في تقدير شواغله، فقد راحت الأحداث تتقرّر فوق أرضه وكأنّها حكم القدر.

 أمّا عن موقف القرى الحدوديّة المسيحيّة من المقاومة الفلسطينيّة، فيأتينا، واضحًا هذه المرّة، من طريق الأحداث التي عرفتها المنطقة في جولات الحرب اللبنانيّة سنوات سبعينات القرن العشرين. 

      وزاوية النظر التي يدور عليها الكلام همسًا أم علانية، والتي انبنت عليه أغلب الأدبيّات التي حلّلت أو حرّمت حوادث الجنوب السنة 1976 وفي تحديد أسبابها أو شروط وقفها، تتأرجح في حدّها المتساهل بالمجانبة للثورة الفلسطينيّة، وفي حدّها المتطرّف بالمعادية والمتآمرة.

     ولا بدّ من الإشارة بأنّ موقف القرى المسيحيّة من المقاومة، ومن زاوية المجانبة للثورة الفلسطينيّة، ليس بالموقف "الأبلق" في المنطقة الجنوبيّة. حيث كان هناك من القرى الإسلاميّة الشيعيّة، من لم تستطع أيّ من المنظمات الفلسطينيّة، بدءًا من وجودها العلني السنة 1969 من إشهار حضور مكشوفٍ فيها، حتّى في الحد الأدنى من الحضور، كإقامة مهرجان أو ندوة أو لقاء سياسي أو اجتماعي عام. وفي زاوية النظر المعادية، كان هناك من القرى الإسلاميّة من استطاعت أن تفرض على الحزبييّن من أبنائها، الارتداد عن مواقف أو مواقع أقاموها مع غير منظّمة فلسطينيّة، وأن تعيد نسج مواقفهم على منوال موقف الهيئات العامّة لهذه القرى، والتي كانت ترى سلوكًا سياسيًّا يدفع بالابتعاد بالفدائييّن عن شؤون القرى ودواخلها.

الموقف العام من المقاومة الفلسطينيّة في القرى المسيحيّة، كان مزيجًا من هذين المستويين، مع تفاوت بنسبة كلّ واحد منهما من "منسوب" الموقف العام، تبعًا لتحرّج الظروف السياسيّة بين المقاومة الفلسطينيّة والأحزاب اللبنانيّة المعارضة لوجود عمل هذه المقاومة، وتبعًا للجو السياسي والعسكري الذي كانت تتأرجح فيه المنطقة الحدوديّة اضطرابًا أم هدوءًا. وقد ظلّت السمة الغالبة لمواقف القرى المسيحيّة "الميل إلى اعتماد موقف الجوار، واجتناب الخوض في أزمة معزولة مع المقاومة وحلفائها لا تقوى عليها هذه القرى". وقد ساعد في تأكيد هذا الموقف أمران:

- موقف الأحزاب اليساريّة الموالية للمقاومة والمتواجدة في هذه القرى، والتي وإن كانت غير ذات كلمة ووزن فاصل داخل قراها، إلّا أنّها كانت قادرة، في الغالب، على إحداث انشقاق في الموقف العام، ولكنّ موقفها ظلّ متماسكًا مع مواقف الهيئة العامّة لقرية، ممّا جنب هذه القرى اصطراعًا داخليًا، وجنّبها كذلك الوقوف في مجابهة أحزاب الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة.

- كانت أغلب المنظمات الفلسطينيّة، بخاصّة في المراحل الأولى من العلاقة، على دراية بدقّة وضع القرى المسيحيّة، فهي "قد تجنّبت حتّى في أوج انتشارها فوق القطاع الأوسط مطلع سنة 1970، أن تفتح مكتبًا واحدًا في أيّة قرية مسيحيّة". وأكثر ما يتبدّى إدراك المقاومة الفلسطينيّة لخصوصيّة الموقع المسيحي، وتأثير هذا الموقع سلبًا أم إيجابًا على عمل المقاومة، كان في حصر أمور التعاطي مع القرى المسيحيّة في مراحل عديدة من تواجدها، وخاصّة في مراحل التواجد المبكر، بيد عناصر مسيحيّة فلسطينيّة من مسيحيي الجليل، وبعضهم ممن كانوا على علاقة قرابة مباشرة مع مسيحيي المنطقة.

 غياب المقاتلين "البلدييّن"

    كان حضور المقاومة الفلسطينيّة داخل العديد من القرى الشيعيّة مجلبة تداعيات وانكسارات بين أحزاب وعائلات هذه القرى، راحت تنقسم شيعًا وبدعًا متباينة في موقفها من المقاومة الفلسطينيّة. وقد أدّى الأمر في حدّه العسكري، أحيانًا كثيرة، إلى تجريد أطراف عديدة من سلاحها وطردها من قراها وبلداتها. وأدّى في حدّه السياسي إلى اتهامات بارتباط بإسرائيل عماله لها. وقد اتسعت هوّة هذا الشقاق وهذه الانكسارات في إجمال القرى الجنوبيّة الشيعيّة إلى فرز قواها في تيارين عريضين: تيار الولاء للقيادات السياسية التقليديّة الجنوبيّة، وتيار الولاء لأحزاب الحركة الوطنيّة اللبنانيّة المتحالفة مع قوى الثورة الفلسطينيّة، مع كلّ ما يعنيه هذا الانقسام من إشكالات واتهامات ونتائج اجتماعيّة وسياسيّة راحت تعتمل داخل البنى القرويّة الجنوبيّة الحدوديّة.

      كذلك كانت أحزاب الحركة الوطنيّة اللبنانيّة تعيش تبديلًا في قياداتها المحليّة، تمثل في خلع القيادات الحزبيّة المحلّيّة "البلديّة"، وإعطاء مقادير السياسة والاجتماع في القرى الشيعيّة في الجنوب إلى آخرين من غير منطقة لبنانيّة أوغير لبنانيييّن أصلًا. وقد جاء هؤلاء ومعهم أعداد مسلّحين تعدّت في أحيان كثيرة، أعداد المسلّحين الحزبييّن اليساريين من أبناء القرى الحدوديّة، وكانوا بعيدين بالطبع عن محور الاجتماع والسياسة التي تشبك مفاصل الهيئة الاجتماعيّة داخل كلّ قرية أو داخل علاقات القرى فيما بينها، ممّا أدّى إلى تنافر وانفصال كاملين بين هؤلاء المسلّحين وبين أهالي القرى. وعليه، لم تسلم العلاقة داخل الأحزاب نفسها من التردّي بين هؤلاء الرفاق الوافدين من المسلّحين الجدد، وبين الرفاق المسلّحين من أبناء القرى الحدوديّة، فقد تدافعت إشكالات عميقة بين الطرفين وصلت في أحايين كثيرة إلى حدّ الطرد من الحزب، أو الطرد من المنطقة تحت رهبة التهديد بالتصفية.

     والملاحظ هنا أن المنطقة الحدوديّة، في اعتبارات هذه الأحزاب والقيادات الجنوبيّة، لم تكن على جدول احتمالات الأعمال الطائفيّة طيلة سنة 1975 ومطلع سنة 1976، فلجنة التهدئة المركزيّة في الجنوب، والتي اتخذت في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 1975 من أمانة سر البطريركيّة المارونيّة في صيدا مكتبًا دائمًا لتلقي الشكاوى وتطويق أيّ حادث مفاجئ، لا تدلّل في تشكيلها على أيّ خوف من احتمال اختراقات ما في المنطقة الحدوديّة، فهي تحصر عضويتها في شخصيّات من المحيطين الجزّيني والصيداوي تقريبّا.

وبالمقابل، كان غياب النفس الطائفي عن المواقف القرى المسيحيّة في الطرف الحدودي الجنوبي، باعتبار الأجواء العامّة في هذه المنطقة، لم تُتّخذ أبدًا "مازورة" طائفيّة  مؤشرًا أو محدّدًا للتبادل الاجتماعي، لذلك كان الجانب الإنساني يدمّث العلاقة مع المسيحيين بالتأكيد على واجبات الجيرة، لا بل أنّ هذا الجانب كان يبدو أكثر رحابة، كلّما كان الموقف العسكري على الحدود  الجنوبيّة يزداد حراجة. وخير مثال على ذلك ما كان يتولّد حلولَ كلّ مساء في فضاء القرى الشيعيّة من خوف مع هاجس الاعتداءات الإسرائيليّة، وحيث كان الخوف من المبيت فيها يتجدّد ليليًّا. ولم يكن مستغربًا الزيارات العائليّة المشتركة أو قضاء أبناء القرى الإسلاميّة سهراتهم في مقاهي ومنتزهات قرى عين إبل ومرجعيون وإبل السقي ودير ميماس أو علما الشعب أو كوكبا. وكان هذا التزاور، أو هذه المجالسات في سهرات عامّة مجلبة هدوء واطمئنان للجميع: شعور بالأمن لدى الطرف الزائر، وإحساس بالأمان لدى الطرف المضيف.

كانت الصفة الإنسانيّة، حتى الأشهر الأولى من السنة 1976، هي التي تصبغ العلاقات المتبادلة بين القرى المسيحيّة والإسلاميّة في القطاع الحدودي، حتّى أنّها كانت تخفي بوادر الاختلاف الديني في الغالب من الحالات، لا بل أنّ أهالي القرى الإسلاميّة الحدوديّة، يسجّلون المواقف لأغلب القرى المسيحيّة، على ما في هذه المواقف كما يرى بعضهم، من مداورة لبقة أو مكابرة أو مسايرة، ويرونها أكثر دفأً وتجاوبًا مع واقعهم، قرى مقصوفة باستمرار، من مواقف بعض الأهالي في بعض القرى الإسلاميّة على الخط الحدودي الثاني أو على الخط الحدودي الثالث، حيث لا يحفظ عنهم الكثيرون من أهالي قرى التماس الحدودي من الود وطيب الملقى وتقدير المعاناة، وإنما يحفظون نظرات الازدراء وكلمات التعنيف وبعض الهزء من مواكب اللجوء الأمني المؤقّت، أي الخروج من قراهم ليلًا والعودة إليها صباحًا، إلى مناطق كانوا يقدّرونها آمنة.

     وما تجب استعادته هنا، هو أن علاقات التجارة والوظيفة، مع تفاقم الأمور العسكرية، ظلت قائمة بين بنت جبيل وعين إبل، وظلت العناصر الحزبية في بنت جبيل من قوميين اجتماعيين وشيوعيين وبعثيين ناهيك بالقيادات السياسة والوجهاء، على تواصل ولقاء مع رفاقهم وأندادهم في عين إبل، وظلّ في الإمكان الحديث في تصرّفات كانت تحصل بين البلدتين وفي ضرورة ضبطها وتجاوزها.

 في الطريق إلى التصادم

كانت المنطقة الحدوديّة، تحفظ حوادثها الحاصلة فيها، بعياراتها المختلفة، ، وظلت القيادات البلديّة في القرى المسيحيّة، من وجوه سياسة واجتماع ورجال دين وأحزاب، مع توجّسها بالتأكيد من العظيم الآتي، مصرّة على التعامل مع الأمور الجانحة التي تحصل داخل قراها، وخنقها في مهدها، كي لا تعكر استقرار هذه القرى وصفاء علاقتها بالجوار المسلم. بخاصّة وأن مجموعات من الحزبييّن المدينييّن، كانوا يصعدون إلى قراهم مع مفاهيمهم في السياسة التي لا تقيم وزنًا أو اعتبارًا لعلاقة هذه القرى أو مع الجوار. فقد "حاولت هذه الفئات أمس الأوّل الاعتراض على جنّاز الأربعين الذي أقامته بلدة عين إبل، لضحايا الغارة الإسرائيليّة الأخيرة على البلدة والتي أدت إلى قتل 3 وجرح 6.

     فقد قام الكتائبيّون بكتابة الشعارات الاستفزازيّة على جدران بعض بيوت البلدة وحتى على جدران الكنيسة، في الوقت الذي كانت فيه البلدة تستعدّ لاستقبال الوفود العديدة من القرى المجاورة. ولمّا اقترح بعض الشباب العينبلي إقامة احتفال تأبيني لشهداء البلدة تدخّل الكتائبيّون بحجّة أنّ الخطباء سيهاجمون إسرائيل.

وقد أدّى ضغط أهالي البلدة وشبابها الواعي إلى إزالة الشعارات الاستفزازيّة وشارك في ذلك رئيس البلديّة نفسه بعد أن تصدّى الكتائبيّون لموظّفي البلديّة الذين حاولا القيام بالمهمّة"([12]).

وفي بلدة دبل المسيحيّة، وفي تشييع ضحيّتين قتلا في خراج البلدة في 8/ 1/ 1976، ألقى المطران يوسف الخوري كلمة، جاء فيها: ندعوكم ليس إلى الصلاة فحسب، بل أنْ تعملوا وتتعارفوا. واقولها بصراحة بقدر ما أستنكر وأتألم لما حصل في دبل اليوم والأمس، أستنكر كذلك بالشدّة نفسها ما جرى داخل بنت جبيل وخارجها وفي لبنان دون تمييز أو تفرقة"([13]).

لقد حافظت هذه "القراءة السياسية" المسيحيّة للحوادث التي كانت تحصل في الجنوب، على العلاقات القائمة بين القرى الحدوديّة، على مستوى القيام بالواجبات الاجتماعيّة من فرح وعزاء. كانت هناك مشاركة شيعيّة كثيفة في ذكرى أربعين رئيس بلديّة رميش. وكان من بين المتكلمين اثنان من بنت جبيل وواحد من عيتا الشعب الشيعيّتين([14]).

     جديد السنة 1976 كان اندفاع القيادات المسيحيّة اللبنانيّة بعد انتصاراتها في الضواحي الشرقيّة من بيروت في معارك النبعة ومخيّم تل الزعتر الفلسطيني، وتحريكها الوضع العسكري في القرى الحدوديّة الجنوبيّة، وهذا حدث لطالما اشتهته إسرائيل وسعت إليه.

     وهكذا راحت المنطقة الحدوديّة، من بعد، تعيش وطأة انتقال عدوى الصدام الطائفي إلى القرى والمواقع المتقابلة، وهذا ما جاهدت في جبهه القيادات الحزبيّة الدينيّة والسياسيّة والوجهاء والنافذون في أغلب قرى الحدود الإسلاميّة منها والمسيحيّة.

    ولكنّ العامل المحدّد في "انكشاف" العلاقة بين الطرفين وتأزّمها، كان رفد المسلحين في عين إبل في آب السنة 1976بمجموعات مسلّحة، كان بعضها، كما هوحال قسم من المسلحين في القرى الشيعيّة، من خارج المنطقة بالكامل. لقد نجحت المجموعات في خلق حالة عسكرية دفعت بالبلدة إلى تقبّل السلاح ومباشرة التدريب وإنشاء قيادة عسكريّة موحّدة جامعة، وجَبْه الشباب اليساري في البلدة. ولكنّ ما قصّرت هذه المجموعة عنه، كان دفع تلك الحالة باتجاه التنسيق العسكري المكشوف مع إسرائيل، كذلك قصّرت من جهة ثانية، في تجاوز الشعار المرفوع الدفاع عن عين إبل باتجاه الدفاع عن لبنان. ويبدو في هذا المجال أنّ التيار الداعي إلى التفاهم مع الجوار داخل بلدة عين إبل كان قبل الحادثة وحتّى بعدها بأيّام قد ساهم في كسر حدّة مواقف تلك المجموعة وأبطأ من اندفاعها وغلوائها. من هنا كان صعود مجموعات المسلّحين الجدد، وأوسعها صيتًا مجموعة "الشيف إدوار" الغريبة بكلّيّة عن المنطقة ولحمتها، تذكيرًا بالمحموعة الأولى ودفعًا بالعلاقة بين جماعات المنطقة إلى الخفّة والصراع الدموي المكشوف.

 التبغ والريجي

أطل الضيق الأكبر على المزارعين مطلع سنة 1976 حين تخلّفت الريجي عن المباشرة بإستلام تبغ الموسم الفائت السنة 1975، الأمر الذي يتمّ عادة في الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، وهذا يعني أنّ الدورة الاقتصاديّة الموسميّة، التي تنطلق مع تسليم التبغ وقبض ثمنه وسداد المزارعين ديونهم عن سنة تصرّمت، سوف تتوقّف، وينقطع معها بالتالي استلاف المزارعين مجدّدًا، رهانًا مقدّمًا على الموسم اللاحق، المبالغ اللازمة لدفع أكلاف هذا الموسم، وتأمين النفقات الأوليّة من ضروريات العائلة. ولا ينعكس هذا العجز على مزارعي التبغ وحدهم، بل يتعدّاهم إلى آلاف آخرين، من أصحاب المحلات التجاريّة وأصحاب الدكاكين في الأحياء الصغيرة، إلى عمال التبغ في مراحل زراعته وتوضيبه المتعدّدة، إلى غير مهن وحرف، تنعقد مع مزارعي التبغ في مصالح وأعمال من بنّاء ونجّار وحدّاد ودكّان، وأقساط مدارس...، وترينا مراجعة مطالب القرى الجنوبيّة "التبغيّة"، وعرائضها المرفوعة إلى المسؤولين في الستّينات والسبعينات أنّ مطلب الإسراع في استلام المحصول، إن لم يكن سابقًا، فهو ملازم لمطلب الزيادة في التسعيرة أو لمطلب زيادة الرخص المزروعة.

لم تجدِ الاتصالات مع القيادات السياسيّة الرسميّة، ولا مع إدارات الدولة، وتحديدًا وزارة الماليّة، في دفع الريجي إلى المباشرة في استلام موسم سنة 1975، وحجّة الريجي واضحة: يجب على وزارة الماليّة أن تقوم بفتح اعتمادات ماليّة توفّر السيولة وهذا ما لم يحصل.

نسجّل هنا أن المزارعين من رميش يصعب تقدير عددهم، ومع تأخّر الريجي عن استلام محصول التيبغ، باعوا، في حالة أولى تبغهم لأهالي من قرية بيت ليف الشيعيّة (إلى الشمال الغربي من رميش) بيعًا شكليًّا، وهؤلاء بدورهم تقدّموا به من لجان استلام التبغ في بنت جبيل أو تبنين. أو، في حالة ثانية، وضع مزارعون من رميش تبغهم أمانة في عهدة أناس من تلك البلدة أو غير بلدة شيعيّة (عيتا الشعب)، تجاوزًا لإقفال طريق بنت جبيل، ثمّ لاحقوا عمليّة تسليمه في بنت جبيل. ولا يخفى ما تتطلّبه هاتان الحالتان (حالة البيع الشكلي وحالة الأمانة) من ثقة تامّة بين الطرفين. ففي الحالة الأولى كان يستحيل على المشتري تقديم الكمّيّات الإضافيّة التي اشتراها، على خانة رخصته، على اعتبار أنّ شركة الريجي تكون لأشهر خلت (ربيع سنة 1975) قد حدّدت وزن الكمّيّة المتوجّب على المزارع تسليمها في سنة 1976، عن موسم سنة 1975. وكان على هذا المزارع مشتري الكمّيّة الجديدة (وهو هنا من قرية بيت ليف أو عيتا الشعب) أن يسلّم الكمّيّة على اسم المزارع البائع (وهو هنا من رميش)، والثمن يحرّر شيكاً بإسم المالك الأساس. وهو في حالتنا هنا الإنسان الرميشي، أي أنّ "عصمة" أمانة المبلغ في يده. أما في الحالة الثانية، حالة إيداع التبغ أمانة، فالأمر معكوس، فكمّيّة التبغ المودعة أمانة، هي في عصمة إنسان قرية بيت ليف أو عيتا الشعب.

      يبقى الإشارة إلى أنّ أهالي هذه القرى كانوا أكثر أمانًا لبعضهم من التجّار في مدينة صور، حيث كان  ثمن التبغ مسحوبًا على "مصرف الجمّال" في صور، وقد وجد بعض التجّار ذلك فرصة سانحة، فامتهنوا الصيرفة وراحوا ينقلون الحوالات المصرفيّة ويصرفونها لأصحابها مقابل عمولة قدرها 2% من المباغ الأساس، وسرعان ما نزلت إلى 1% مع تعدّد الصرّافين([15]).  

      لقد استردّت زراعة التبغ عافيتها في الجنوب بعد انتكاسة كبيرة في الثمانينات وعادت الى عهدها المحسوب في عداد المزارعين وكمّيّة الانتاج والمساحات المزروعة. ويكمن دور هذه الشتلة في تراث الجنوب ووجدانه، أنّها تشبك قرى الجنوب على امتدادها، وقرى جنوبي الجنوب تحديدًا، فهي الخيط السحري الذي يصل ما بين فلاحي علما الشعب المسيحيّة وبين فلاحي جوارها المسلم، وكانت آصرة العلاقة بين فلاحي عين إبل وحزبييّها البعثييّن والشيوعييّن والقومييّن الاجتماعييّن، وبين ما يماثلهم من أهالي حانين وعيتا الشعب وبنت جبيل. وكانت موحدًا ما بين رميش حقولًا وحارات وبيوتًا وزواريب وأزياء رجال ونساء ومواد حديث ولقاءات ومسارات، وما بين عيترون التي تفصلها عن رميش فراسخ من حقول التبغ، يمسك بطرفيها مزارعون من بنت جبيل ومزارعون من عين إبل.

     عودة زراعة التبغ الى سدّتها في حياة الجنوبي، مع أنّها زراعة همّ ولقمة مرّة، هي عودة الى تلك الروابط القديمة التي كانت تجدل ما بين مناطق الجنوب وقراه وطوائفه. عودة التبغ الى حواكير الجنوب عودة بالهيئة الجنوبيّة الى دروب تفاعلها وتشاركها في اقتسام اللقمة وتمسيح العرق، أيّ إلى أرض لقاءاتها الصلبة وإلى جدار تماسكها في مواجهة محاولات التفتيت والاقتلاع.

لم يعد من حيلة

      ترافق صعود المقاتلين من بيروت إلى القرى المسيحيّة مع الاشتباكات التي كانت تدور على محور القليعة بين عناصر من بلدة القليعة المسيحيّة وقوّات جيش لبنان العربي في ثكنتي الخيام ومرجعيون.

     ومع ما كان يتواتر عن اتصال عناصر القوّات اللبنانية الواصلة من بيروت "بإسرائيل"، أصبح هاجس قلّة الثقة يؤم أيّ لقاء أو حديث وصارت العلاقات المتبادلة، وحتّى بين أفراد الحزب الواحد، من الطائفتين مدار حذر وريبة، وصار التكتّم والخوف من العمالة المزدوجة، والوضع تحت المراقبة، من محطّات العمل السياسي اليومي، وقد راحت هذه الأمور تتكرّس بين الطرفين.

     كانت ممارسات المسلحين بانتماءاتهم أم بارتباطاتهم، تستنهض في القرى المسيحيّة كوامن الفِرقَة والتباعد، بفقم خلافات وإشكالات كانت دومًا عاديّة، وهذه غالبًا أو دائمًا ما تكون ظاهرة وبارزة. وإغفال أواصر الألفة وعوامل التعايش المشترك، وهذه غالبًا ما تكون خفيّة وغير متصدّرة. في سياق هذا الواقع راحت القرى المسيحيّة تفرج عن شعورها الطائفي الخافت أو المكبوت، وراح يتشكّل فيها تيّار صدامي أخذ يستل من المنطقة روح تعايشها. أمّا القيادات المحلّيّة فقد بدت، أمام المسلّحين الذين وفدوا إليها من خارجها عاجزة عن تدارك الأحداث وجَبْهها. هذا، بعدما كانت هذه القوى متماسكة في مواقفها. فقد كان فؤاد الخوري وجيه عين إبل على سبيل المثال، يرفض تكرارًا مع بداية تنسيق المسلّحين الوافدين إلى البلدة مع إسرائيل، الاجتماع بضابط إسرائيلي كان يتردّد سرًّا إلى عين إبل. بالرغم من أنّ عائلة هذا الضابط كانت على معرفة بفؤاد الخوري، أثناء إقامة هذا الأخير في فلسطين قبل السنة 1948.

     "فمن الجائز القول إنّ الحرب اللبنانيّة قد اغتصبت من القرى المارونيّة موقفًا جديدًا".

   وفي الجاب المقابل، كانت القرى الشيعيّة في أزماتها مع التهجير والتموين والوقود، وهي أمور كان من الصعب أن تنقضي بدون إشكالات، وهذا ما أدّى إلى انكسار التوازن بين أحزاب الحركة الوطنيّة وبين القيادات الأخرى من سياسييّن على مستوى الدولة نوّابا أو وزراء سابقين أو موظفين كبارًا، أو على مستوى وجوه القرى وأعيان العائلات، وهذا يعني استقالة هؤلاء من مداولة شؤون القرى، بل والانسحاب من الإقامة فيها، ما أفقد النصاب السياسي في هذه القرى ركنها المحاور.

     وبعد تراجع أدوار هذه القيادات في القرى المسيحيّة والإسلاميّة، أصبح أهل الحلّ والعقد من الهيئات المسلّحة المتواجدة، وقد فرضوا وجودهم في تقرير مصير الأحداث دون مشورة أو استئذان من أحد.

     يسجّل في هذه المرحلة تواتر الحديث عن تنسيق بين القوى المسلّحة (القوّات اللبنانيّة) التي وفدت إلى عين إبل، واتصالات لها مع إسرائيل، وقد وصلت إلى المنطقة الحدوديّة عن طريق ميناء حيفا بالأصل. وقد ترافقت هذه التوجّسات في القرى الإسلاميّة، بظهور حواجز في خراجات القرى المسيحيّة تدقّق في هويّات الداخلين إلى هذه القرى والعابرين فيها.

     الحدث الذي شكّل مقدحًا للحوادث الدمويّة جاء في 30/ آب/ 1976، حيث أقدم مسلّحو "القوّات اللبنانيّة" في عين إبل على التصدّي لمجموعة من أربع عناصر من "التنظيم الشعبي اللبناني" التابع لحركة فتح، كانوا يعبرون عين إبل عائدين من قرية حانين. كانت نتيجة الحادث قتل أفراد هذه المجموعة الأربعة مع ثلاثة من مسلّحي عين إبل. حدث ذلك بعد أسبوعين تقريبًا من صعود المقاتلين إلى عين إبل، ومصادرة قرارها ودفعها إلى مواقف ظلّت تجهد لتكون بمنأى عنها.

 حانين: قربان الموقع   

وفي موازاة ارتسام نقاط ومواقع عسكريّة على حدود بنت جبيل وعين إبل، كانت تجري محاولات فرز سكّاني داخل المربع الذي تتزاواه القرى الممسيحيّة الأربع في قضاء بنت جبيل: عين إبل ورميش ودبل والقوزح، وتتوسّطه بلدة حانين.وتهدف تلك التمهيدات إلى خلع قرية حانين وتهجير سكّانها. وبذلك تصبح الطرق التي تربط بين مسلّحي القوّات اللبنانيّة و"إسرائيل" آمنة سالكة.

     وعليه، صار يتمّ التحرّش بأهالي حانين،  كان بعضها دمويًّا، هذا في الوقت الذي كان فيه أهالي حانين، وتخصيصًا الحزبيّون من الشباب من بينهم، قد عكفوا بعد حادثة عين إبل في 30/ آب/ 1976، على سلوك طريق ترابيّة فرعيّة يتدبّرون عبرها أمورهم خارج قريتهم، متجاوزين الطريق الرسميّة التي تقطع عين إبل تداركًا لما لا تحمد عقباه.

     محاولتا الرمق الأخير للقوى الأهليّة البلدية في عين إبل وبنت جبيل لتدبر إخماد شرور الفتنة، وتدارك ما قد يحصل من صدام، كانت الاتصالات كثيفة وسريعة:

- عقد في 3 أيلول 1976 في بنت جبيل في منزل العلامة السيّد عبد الرؤوف فضل الله حضره النائب عبد اللطيف بيضون، والوزير السابق علي بزّي ووجهاء من عين إبل وضباط من "جيش لبنان العربي". وقد حصل خلال اللقاء قصف لمحيط منزل العلامة السيد فضل الله، فعلّق أحد أعضاء وفد عين إبل (فؤاد الخوري) بقوله: هذه رسالة من المسلّحين لاجتماعنا يؤكّدون لنا فيها، بأنّنا لسنا من يقرّر.

- عقد في عين إبل في 10 أيلول 1976 بين وجهاء البلدتين صرّح على أثره المونسينيور مارون صادر "نرحب بالوفد ويهمنا أن نتعاون معًا للوصول إلى عيش آمن وإلى دفع الضرر عن كلّ قرية وفرد في منطقتنا". كذلك صرّح العلامة السيّد محمّد حسين فضل الله بعد الاجتماع: "قلوبنا مفتوحة بكلّ ما نملكه من جهد وطاقة لإعادة الوضع إلى حاله الطبيعي لنستمر في العيش المشترك ضمن حلول معقولة"([16]).

- اتفاق في 15 أيلول 1976 بين فعاليات البلدتين بحضور قائد منطقة صور العسكريّة، يقضي بأن يتولى جيش لبنان العربي حاجز صف الهوا في مدخل بنت جبيل، وقد وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ في 18 أيلول 1976([17]).

     ونسجّل هنا وقوف الشباب الحزبييّن المسلّحين في قرية (حانين) وقفة صارمة أمام طلبات أطراف فلسطينيّة، ومن حركة فتح تحديدًا، بضرورة التصدّي، وحتّى تصفية قافلة العمّال من أهالي دبل الذين يعبرون القرية يوميًّا في طريقهم للعمل داخل "إسرائيل". كذلك وقفت أحزاب البلدة صارمة في مواجهة أطروحات لبعض أحزاب الحركة الوطنيّة حول ضرورة عزل التيّار الأسعدي وإخماده، وما همّ لو كانت التصفية والغيلة من الأبواب الموصلة سريعًا إلى ذلك. مع أنّه يسجّل هنا تعرّض مختار البلدة لمحاولة اغتيال في 27 أيلول 1976، واخترقت رصاصات عدّة سيّارته الأميركيّة الطراز.

     الجديد الطارئ كان مرافقة العمال الذين يعملون في إسرائيل من أهالي دبل، من قبل عناصر مسلحة محمولة على ملالات تحمل شارات عبريّة يعتليها مسلّحون من القوّات اللبنانيّة، بقيافة إسرائيليّة كاملة، شارات وثيابًا.

    وبدون متابعة التفاصيل التي أدّت إلى تدحرج الأوضاع صوب الانفجار، كان هجوم "القوّات اللبنانيّة على قرية حانين في 16/ تشرين الأوّل/ 1976. واللافت في أمر الهجوم أنّه كان انفجرًا بدون صاعق" يستدعي ردّ فعل مباشرعلى جاري أدبيّات الهجومات ومبرّرات حصولها في سياق الاحتراب اللبناني.

    كانت الحصيلة الدموية للهجوم سبعة قتلى من أبناء حانين، إلى قتيل واحد من دبل.  

لم تجهز "القوّات المسلّحة الجديدة في القرى المسيحيّة" على حانين، كما أسقطتها، دفعة واحدة، فقد لبثت أمام إخلائها من سكانها ما يزيد على شهرين، كانت هذه القوّات خلالها تتداور مراحل تدميرها وإخلائها وفق مسلسل يمتصّ ردّة الفعل القاسية لأغلب القيادات الدينيّة والوجهاء النافذين داخل القرى المسيحيّة نفسها. ثم كانت محاولة لاغتيال المختار وابنه في 8 تشرين الثاني 1976، مع ولائهما الأسعدي وبعدهما عن الأحزاب، بربط عبوة ناسفة في محرّك سيّارة الإبن الذي رفض، من قبل، مغادرة البلدة. انفجار السياّرة مع إدارة محرّكها أدّى إلى جرح الوالد وابنه. ضمّد جرح الأب محليًّا، وأسعف الابن في مستوصف راهبات القلبين الأقدسين في عين إبل.

كان هذا العمل إيذانًا بضرورة المغادرة. ولكنّ الإنذار القاسي والخطوة الأخيرة القاضية على أمل البقيّة الباقية من أهالي القرية في الثبات فيها، تمثل في اغتيال رجل في القرية، يحوز إلى ثقة الأهالي واحترامهم، ثقة المرجعية الدينيّة في بنت جبيل، فقد أحرق الحاج أحمد حسين صوفان وحيدًا في منزله في 15 تشرين الثاني 1976، مما أثار موجة رعب في صفوف الندرة الباقية من الأهالي وجعلتهم، فور مقتله، على طريق النزوح.

     مع إخلاء حانين من سكانها وتدمير بيوتها، أقفلت جهاتها أمام أهليها وأصبحت أطلالًا تقع في قطاع دوفيف حسب تحديد صحيفة "دافار" الإسرائيلية لموقع البلدة([18]).

     كانت ردّة الفعل على اجتياح حانين من قبل القيادات المحليّة في القرى المسيحيّة، ومشاركتها الباقين من أهالي القرية واجب المؤاساة، ومرافقتها القيادات الدينيّة الإسلاميّة في زياراتها للقرية المنكوبة، كانت ردّة الفعل هذه مربكة لـ "القوّات المسلّحة" الجديدة في القرى المسيحيّة، وقد بدا لأيّام قليلة تلت اجتياح حانين أنّ القوى المحلّيّة في القرى الإسلاميّة والمسيحيّة قد استعادت شرعيّتها محاورًا في فرص الحل وأشكاله واستردّت شرعيّتها في الإعلان عن مواقف من الحدث ومن القوى المسلّحة المتواجدة، تقودنا إلى هذا القول مراجعة ما تورده النّهار عن اتفاق بين أهالي قرى مسلمة ومسيحيّة محيطة بحانين مع "القوّات اللبنانيّة" في المنطقة:

      "وأمس انتقلت إلى حانين وفود مثلت بلدات رامية وعيتا الشعب ورميش وعين إبل ودبل واجتمعت بالسكان الذين ظلّوا في منازلهم هناك في حضور قادة "القوّات اللبنانيّة" في القرى الحدوديّة وعدد من الشيوخ. وبعد عرض تطوّرات الوضع في المنطقة اتخذ المجتمعون المقرّرات الآتية:

1-    إعادة الذين نزحوا عن حانين إليها، مع تأكيد "القوّات اللبنانيّة" على عدم تهجير أيّ مواطن يعترف بلبنانيّته ويعتبرها فوق كلّ حزبيّة.

2-     تسهيل المرور لأهالي القرى المجتمعة في ما بينها، ما دام هذا المرور لا يتعارض مع التدابير الأمنيّة التي تتخذها "القوّات اللبنانيّة" حفاظًا على سلامة المواطن.

3-     اعتبار أمن القرى المذكورة وحدة لا تتجزّأ بحيث تتعاون و"القوّات اللبنانيّة" على مكافحة الشغب والفوضى الناجمين عن دعاة التفرقة والانحراف وملاحقتهم أينما وجدوا.

4-    تعزيز أواصر المودّة التي يفرضها العيش المشترك والمصير اللبناني الواحد.

5-    ربط القرى بشبكة اتصالات مع "القوّات اللبنانيّة" تحسبًا لأيّ طارئ([19]).

كما تنقل الجريدة نفسها خبرًا آخر عن تصريخ للأب إيلي بركات من عين إبل، بعد زيارة قرية حانين إلى جانب الشيخ محمّد مهدي شمس الدين: "الكلمة اليوم في المدن والقرى لم تعد للحكماء والعقلاء. فالشباب مسلح بالرشاش والقنبلة. والله نسأل أن تعود الحكمة إلى موضعها والرشاش موضعه في ثكنات الجيش اللبناني"([20]).

       يستحضر هذان الموقفان روح التوجّه العام المرن والمسالم الذي طالما حكم في علاقات الأطراف بدءًا من أحداث سنة 1975، والذي طالما تجاوز الكثير من الممارسات والإشكالات المتبادلة تداركًا لويلات لا تحمد عقباها.

       وقد ساهم في إنعاش هذه الروح ما كان يتوارد من أخبار اشتباكات وتقاصف دموي عنيف على غير جبهة جنوبيّة، لم تكن القرى المسيحيّة في القطاع الأوسط قد دخلت بعد في أتون يماثله، ففي ليل 17 تشرين الأوّل 1976 ومع سقوط حانين، كانت الاشتباكات "في أعنفها بين مرجعيون والقليعة حين سقطت في مرجعيون 150 قذيفة (قتيل و5 جرحى)...". ولكن الحدث الأفعل في تأثيره على الأجواء العامّة داخل القرى المسيحيّة يبقى سقوط بلدة العيشيّة المسيحيّة في 20 تشرين الأوّل 1967، في يد "القوّات المشتركة"، وهي القوّات المحمولة على أنّ القرار الفلسطيني هو دافع حركتها، وأنّ القوّات العسكريّة الفلسطينيّة هي أساس بنيتها العسكريّة. 

 الوصيّة الأخيرة

المحطة الأخيرة وقد اتّسع الخرق، نداءٌ من ابن عين إبل المرحوم البطريرك خريش، ونصّه الحرفي هو الاتي:   

"منذ بضعة أشهر ونحن نراقب بقلق متزايد ما يجري من تحرّكات وما يقع من أحداث في جنوب لبنان، لا لأنّ الجنوب منشؤنا وفي إحدى قراه ولدنا وترعرعنا وحسب، بل لأنّه الباب الذي يخشى أن تعود فتدخل الفتنة منه إلى قلب لبنان الذي لم يبرأ بعد ممّا أثخنه من جراح. وإزاء هذا الواقع الأليم، وشعورًا منّا بما يهدّد لبنان، بمختلف مناطقه من خطر قد يقضي على البقيّة الباقية من مقوّماته ووحدته، وقيامًا بما نحن ملزمون به من واجب ديني ووطني، فإنّنا نتوجّه إلى أبناء الجنوب مسيحييّن ومسلمين، وإلى جميع المقيمين فيه لبنانييّن وفلسطينييّن، وإلى مختلف الهيئات والأحزاب المعنيّة بشؤونه، وإلى جميع المسؤولين، لنطلب منهم أن يبذلوا ما في وسعهم لإطفاء الجذوة المتقدة في جنوب لبنان، رحمة بالمكتوين في نارها من الأبرياء، وحذرًا من أن يطير شرارها إلى سائر أنحاء البلاد. وإنّا نناشد الجنوبييّن أن يقلعوا عن كلّ ما يسيء إلى ما كان بينهم من وفاق وتضامن، وأن يصمّوا آذانهم عن وسوسات أهل الفتنة الذين يريدون بهم شرًّا، وأن يعملوا على ضبط النفس بكلّ ما أوتوه من قوّة، وما في قلوبهم من محبّة لوطنهم لبنان وما هم عليه من تحسّس بمصالحهم ومصالح أبنائهم وبيوتهم وقراهم، وقد سبق أن أصابهم الكثير قبل اندلاع نار الحرب على الساحة اللبنانيّة، وهذا وحده كان يجب أن يكون لهم فيه موعظة، وأن يتّخذوا من ويلاته رادعًا عن كلّ تحرّش، ويكفّوا عن كلّ ما يفضي في النهاية إلى زيادة عدد المهجّرين والمنكوبين، وتأجيج نار الحقد وزرع بذار البغضاء في النفوس.

وإنا إذ نأمل أن يعودوا إلى طريق الحكمة والتروّي، فيصغوا إلى ندائنا هذا ويعملوا على وأد الفتنة وغسل القلوب وإشاعة السلام، وترسيخ الاستقرار حبًّا بنفوسهم وبوطنهم الجريح لبنان، نستمطر عليهم نعم الله وبركاته.

بكركي في 27 كانون الثاني/ يناير 1977. أنطونيوس بطرس خريش، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق"([21]).                       

راحت الأمور بين بنت جبيل وجوارها الشيعي وعين إبل وجوارها المسيحي في مسراها الدموي الأسود، جارفة معها إرادة الأهلين بالعيش والتلاقي. وجارفة معها التماثل على صعيد التكوين الاقتصادي والاجتماعي بين القرى الشيعيّة والقرى المسيحيّة. فالشبه فاقع بين رميش (المسيحيّة) وعيترون وعيتا الشعب (الشيعيّتين) يصل من لون التراب إلى شكل غرسات التبغ، إلى مظهر الفلاحين وكدح النساء والأطفال في الحقول.

وليس في عين إبل إلّا القليل من شبانها. أمّا الباقون فموزعون بين بيروت والمهاجر العربيّة وما وراء البحار، وآثار الحوالات التي تصل منهم بارزة في البيوت التي تحف بطريق القرية وفي أناقة الفتيات. لكن نزيف الهجرة ومظهر الثراء هما أوضح في حاريص الشيعية مثلاً ...".

بنت جبيل بدورها فهي رهينة مستسلمة يتقارض أهلها شرور النزوح والهجرة البعيدة، حيث تقوم الديمغرافيا فيها على 3500 مقيم من أصل 55 ألفًا نصاب سكانها.

أمّا ما قد يلاحظه البعض من تباينات تطفو على سطح هذا التناظر الاجتماعي، تطال اللهجة والمسكن والسلوك التعليم، فإنّنا نجد مثله في مجتمعات القرى الإسلاميّة نفسها، ما يعدل هذه التباينات بل ويتعدّاها بأشواط، حيث تقوم خطوط تغطي تقريبًا اجتماع قرية أو قرى برمّتها وتنحسر بالنسبة نفسها عن مجتمعات أخرى، كانقسام أهل المنطقة مثلًا في ترتيب بعضهم ما بين أهل سرايا وأهل قرايا، وهذا تصويب محدّد لاعتبار من هُم أهل، ومن هُم ليسوا بأهل لمباشرة شؤون الحياة من سياسة وإدارة واجتماع.

      واللافت أنّ تقادم الأحداث يعتّقها ويجعلها أكثر امتدادًا وحفرًا في الوجدان. ولكنّ استحضار بعضها وتحديدًا أخبار الهدير الدموي المتبادل في علاقات ما بين الطوائف واستذكارها وإسقاطها، يعني تحسّسًا بالتاريخ الوطني وطعنًا بالوطنيّة، ونكأً مستمرًّا لجراح ولادتها. أن نبقى نقيس الوطن والمتواطنين فيه على طموحاتنا الذاتيّة في الهويّة، هويّة "تلفن عيّاش" "اللي ما بيحلف إلّا بدينو"، يعني أن نبقى نستذكر من تاريخنا النقاط الأكثر اسودادًا، ونستحضرها ساعة نشاء وغبّ الطلب للحظة نقاش أو تهاتت أو تنافر. ويعني أنّ الصراع على تاريخ لبنان يبقى قائمًا لأقرب الأجلين، والأكثر صحّة لأقرب الآجال: أجلي الطرفين المتقابلين، وآجالنا نحن النظّار والمستمعين "زنج" الوطن الذين لا حول لهم أو شأن.

    لقد تبدلت الهيئة الجنوبيّة اليوم وتذرذر الجنوبيّون مسلمين ومسيحييّن، في مواطن شتى وفي إقامات شتى وفي مقادير شتى، جديدة قصيّة مديدة. مذ ذاك، راحوا يفتقدون طعم ذاكرتهم ويغيرون مواضع ومواضيع أحلامهم، مع بُعد المزار أو مع تغيير أمكنة النشأة الأولى ومسقط الرأس. 


[1]- البشير، 14/ تشرين الأوّل/ 1920، ص 2.

[2]  أحمد رضا: مذكرات للتاريخ. حوادث جبل عامل (1914 – 1922)، طبعة أولى، دار النهار للنشر – ifpo، بيروت، 2009، ص145.

[3]  أحمد رضا: مذكرات للتاريخ.  ص154.

[4]  المصدر نفسه، ص 148.

[5]- البشير، 12/11/1925 – ص 1- 3.

[6] - محفوظات بكركي، رسالة مِنَ المطران بطرس البستاني إلى البطريك الحاج، 28/ حزيران/ 1897. نقلًا عن: رتيب عمون عيد: المطران بطرس البستاني مطران صور وصيدا الماروني (1819 – 1899)، منشورات جامعة الرّوح القدس - الكسليك، الكسليك، 2013، ص 442.

[7] - البشير، 3/ 8/ 1892..

[8] - البشير، 13/ 1/ 1894.

[9] - البشير، 12/ 8/ 1926؛ و28/ 8/ 1934.

[10] - البشير، 28/ 9/ 1892، ص 1.

-[11] البشير، 1/ 6/ 1896، ص 1.

[12] - راجع: السفير، 26/ 8/ 1975.

[13] - النهار، 10/ 1/ 1976.

[14] - راجع: النهار، 23/ 2/ 1976.

[15] - راجع: النهار، 30/ 7/ 1976.

[16] - راجع: النهار، 11/9/1976.

[17] - راجع: النهار، 19/9/1976.

[18]- صحيفة دافار، 19/ 10/ 1976، محفوظات مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، أوراق بدون ترقيم.

[19]- راجع: "النهار، 20/10/1976.

[20]- راجع: "النهار، 24/10/1976.

[21] - راجع: النهار، 28/ 1/ 1977.